مجموعة مؤلفين

94

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

هو الكون بغير الذات ؛ لأنه اعتبار تميز الذات العالمة في العلم القديم عن العلم والمعلوم ، وتميز العلم عن الذات العالمة ، والذات المعلومة وتميز الذات المعلومة عن العلم والذات العالمة ، وليس ذلك كله غير الذات ، فإن الصفة هي الموصوف حقيقة ، وإنما كانت غيره من حيث الاعتبار النسبي الحكمي الذي هو الكون المعبر عنه بكانت عالمه وكانت معلومة ، فلهذا احتج السلف رضى اللّه عنه أن الأسماء والصفات لا هي المسمى الموصوف ولا هي غيره ، يعنون أن مغايرة الاسم للمسمى ، والصفة للموصوف ليس إلا اعتباره في الذهن ، أو قل العلم اسما له وصفة يشار بها إليه ، وهذا أحسن القول بعد حقيقة الأمر ، فإن القول بامتياز الذات مغايرة للأسماء محض التغاير كفر صراح حاكم بالثنوية ، ولو كان الأمر كذلك لم يقل سبحانه : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [ الأعلى : 1 ] ، فأحالنا على الاسم والقول بإثبات الذات بغير الأسماء جهل وتعطيل ، فإن فهمت هذا فهمت من أين تطرف لفظة الكون الذي هو الحدث إلى الذات المقدسة اعتبارا نسبيا إليها لا إلى غيرها نزولا تقريبا ، فالمعين للكون الذي هو الحدث هو مصدر أسماء الذات ومميزها ، فإن الذات المقدسة من حيث أحديتها ليست مصدر الشيء ، ولا متصفة بصفة ، ولا مسماة باسم أصلا البتة . وهذا ما أشار إليه النحويون بقولهم : الحدث المصدر وهو اسم الفعل والفعل مشتق منه ، فالحدث هنا هو الذات المعلومة بتقريب ذلك عليك ، إن حصول العلم للذات بالذات المعلومة متوقف على حصول الذات التي هي معلومة للعلم ، وحصول الذات المعلومة متوقف على مقابلة للذات التي هي صفتها ، وعنها يحدث عن علمها ، فهذا التوقف الاعتباري النسبي هو الحدث الذي هو الكون ، وهو الذي أحدث للعلم صفة الإمكان والكون ، والافتقار إلى الذات المعلومة التي بها يتعلق العلم ، وأوجب